Home      All Contents, Design, Photos, Thoughts, And Materials, Are Copyright Protected.

 

مراجعة نقدية لفيلم بقلم علي سفر - صحيفة الزمان

فيلم A1 لمحمد علي أديب

" الحفر بالصورة في الذات الإنسانية " 

لا تبدو الثيمة التي يقاربها فيلمA1 لمحمد علي أديب غريبة أو متفردةً في السياق العام للحالة الإنتاجية الدرامية السائدة حالياً في سورية فالخطوط العامة حقاً تختص بالعديد من الهواجس المتاحة كالحب والموت وفي المتاح بشكل أقل كالجسد والدين (الخلق)..!‍

نتحدث عن الثيمة أو الموضوع الرئيس الذي بني عليه هذا الفيلم لكننا وفي الخلف من هذا الحديث نعتقد حقاً بفرادة وغرابة A1، لا طمعاً أو تزلفاً في سياق تقويله ما لم يقله كفيلم، بل من هذه النقطة نبدأ ونشير إلى صمت الفيلم المطبق على الكلام..

الكلام المتاح والمصاغ بالأبجدية المعرّفة.. إنه يفترض سياق حكايته من خلال السرد بوصفه حركة الفعالية الإنسانية ببعديها الذاتي والموضوعي.. أولاً ومن خلال كون النطق في هذا السرد إنما تبنيه العلامة أو الإشارة التي تستعيض عن المنطوق بالمرئي أساساً وتبني وفقه تعدد مستويات دلالاتها وتراكُبيتها..! فإذا كان  هذا الجانب يحتاج حقاً إلى نوع من القراءة السيميولوجية للفيلم بوصفه إمبراطورية علامات محلية بيئية فإن القراءة الأشمل برأينا إنما يجب أن تنطلق من اتساق بنية هذه الإمبراطورية مع خطين هما الخطاب كبنية معقدة من حيث البناء وأيضاً السرد الذي يقدم لنا بؤره/ الشخوص، وفي الآن ذاته يقدمهم لنا كبنى ذاتية تستحق المغامرة حقاً في قراءتها سيما وأن الاقتصاد في الدلالة كمنهج يحكم الفيلم في جل مراحله ولعل جميع من شاهده قد لاحظ كيف أن خطوطه العامة لم تنسق إلى فوضى محتملة دائماً حينما تتم مقاربة البيئة في السياق الدرامي..

إن أهم ما جنّب الفيلم برأينا الانسياق إلى هكذا مطب –تقع فيه الدراما السورية دائماً حينما تجعل من البيئة موضوعها- هو عدم اعتماده الكلام أو الحكي وسيلةً لبعث الخطاب، فقد اقتصر الكلام برمته على أربعة أبيات شعرية كتبها محمد علي أديب بالإنكليزية وثبتها في مقدمة فيلمه باللغة ذاتها تقول بما معناه: "وأنت بعيد عن قرارك لا ماء ولا هواء/ بإمكانك الصراخ بأعلى صوتك إلى حيث تلعب النجوم وتتقاتل/ ابحث عن أفق جديد يقع خارج حدود ناظريك/ واحرص على أن تذيب عتمتك الداخلية في لياليه الباردة" (ترجمة المخرج).

هذه الأبيات الملفوظة ايقاعياً باللغة الإنكليزية لا ترتبط بالفيلم ووقائعه وحتى حالته البيئوية إلا من خلال ارتباطهما في النسق التأليفي أي ما يتبع لمخرج واحد.. وبالتالي فإن وجودها كعلامات لم ولن يؤثر على المشاهد السوري الذي سيجد نفسه هكذا وبشكل مفاجئ وحيداً وأعزلاً إلا من عينيه وأذنيه مع دراما تعتمد الموسيقى بأقصى حالاتها التعبيرية التصعيدية والتفكيكية للمشاعر الإنسانية، أولاً وتعتمد الحركة المبنينة وفقاً لسياق الحكاية: حكاية ابن العطار (أحمد) واكتشافاته للمحيط الخارج وأيضا‌ مقاربته للداخل وتعامله مع هذا الداخل من أقصى زواياه شفافية /المشاعر الأبوية والأمومية ثانياً، وبين هذين المستويين نلمح خيطاً شفافاً أيضاً تتمحور حوله أنساق مختلفة في الفيلم هو الحب المقترن بالرغبة تارةً وبالعجز تارات أخرى..

الفيلم هنا وطبقاً لغرابة الواقع الذي يعالجه (الواقع الشامي/السوري في التصور التأويلي الأبعد) لا يقصر طموحه على تقديم حالة ووقائع إكزوتيكية/ بيئوية، بل إنه ينجح ومنذ البداية في مقاربة هذا الطموح منذ المسميات الصورية الأولى كالبيت الشامي والسوق ودكان العطار كأمكنة، وأيضاً الشيخ الدجال و أيضاً الباعة في السوق وأيضاً العطار ذاته وكذلك عوالم الحمام وكذلك أيضاً العرافة /الساحرة، كشخوص..‍‍

كل ما سبق كعلامات يكرس الحالة البيئوية ولكنه لا ينقل العمل إلى موقع بث الرؤية أو الخطاب.. فهو يمارس كفيلم أوسع عملية بناء للدلالات شهدتها الدراما السورية كحالة بصرية متماسكة بعيداً عن الحالة الإعلانية أو البرامجية أو الفيديو كليب (وهي مجالات ما نزال فيها متخلفين إلى وقتنا هذا رغم ما يشاع عادةً عن تقدم ما للدراما السورية كحالة بصرية) وهو رغم ما ينبض فيه من صمت يتيح المجال للعين أن تتأمل وحدها..

إنه رغم كل هذا يمارس القول المختلف .. القول الذي تنطق فيه الصورة بانكسار جمالياتها البلهاء بجرح الجميل ونقصد ههنا الفعل القاسي الصدامي الذي تمارسه الصورة حينما تنتقل عبر دلالاتها من مرحلة العلاقة الجمالية الواقعية إلى مرحلة الواقعي فاحش البشاعة.. العاري دون ما يغطيه سوى الاعتقاد بوجود الأمل في التغيير.. الاعتقاد الذي تُحدِّث العيون به حينما تنطق وحدها وهي ترقب الآخر في انكساره وفي فرحه وفي اللاشيء الذي يحيط به..

إن ما يقود إليه الصمت (تخترقه همهمة الأسماء ورنين صوتي للنقود بالعربية المحكية وبالإنكليزية) هو هذا حقاً ولكنه أبعد منه في التأويل فأنتَ تصمت حينما لا تجد الكلام وأيضاً في وقع الاعتياد والصدام مع الواقع الذي يحتاج إلى الفعل وليس الكلام..!! الموسيقى هنا تنوب عن القول وتنسج، كما لو كان شعراً، حدوده القصوى لتسير تارة مع ايقاع القلب ولتنسج في زوايا أخرى ايقاعاً يشبه طرقات السكين في الجلد الأدمي الحي.. وكأننا بمحمد علي أديب وقد أجرى مقاربته القصوى في اتفاقه مع محمد هباش (واضع موسيقى العمل) على جعلها مكرسة في جلد الذات موسيقياً..!!

وفي المقابل لهذا الاحتداد الجواني والبراني في علاقة الذات والموضوع يتلمس قارئ الفيلم/ مشاهده، المنحى الإنساني اليوتوبي الذي يحاول المخرج ومؤلفه محمد علي أديب تكريسه في سياق هذا الصراع الذي يضج بالفعل الداخلي فبالتقابل مع الأنساق المتورمة كحالات ذاتية نتلمس الحالة الشعرية للحلم الذي يشكل خلفيةً للشخصية الرئيسية /ابن العطار/ في علاقته مع العوالم المحيطة.. ولعل صورة تلك الفتاة التي حملت الورد أو الأعشاب وركضت بما حملت في البرية توضح الحالة الشعرية والحلمية التي أرادها المخرج خلفية موائمة لسياق الفعل دون الوقوع في التبشيرية أو المجانية.

لقد كان من الصعب على المشاهد الإمساك بزمام الأنساق جميعها في A1 لا لكونه قد بني على الفوضى بل لكونه كان مبنيناً جداً بمعنى أنه اعتمد شكلاً مركزاً في السرد جرى فيه تقطيع الحالة المشهدية بشكل يوحي دائماً بأن الدلالات لا تكتمل إلا حيث ينتهي المشهد دون اكتمال في تفاصيله السردية، فحيث يرى المشاهد لا بد سيلاحظ أن الحكاية برمتها غير منتهية مثلها كأي مشهد يقود إلى ما يقطعه وهو على الأغلب استدعاء ينقل إلى مشهدية مختلفة وربما تكون متعارضة مع الأولى ولكنها مكملة لها في السياق السردي العام.. لقد أفاد هذا الانبناء في جعل الفعاليات الإنسانية متعارضة في بُناها الذاتِية (حالة نجوى الزوجة المحرومة مع زوجها في مساحة بيت واحد) ولكنه وحدّها في سياق الخطاب الذي يعبر عن توجه الفيلم وهو توجه يحفر في الذات الإنسانية وكوامنها بأدواته لا ليلامسها بل ليقشر عنها ترسبات يعتقد ضرورة قشرها..‍‍ 

علــي ســـفر